يشهد المشهد الاقتصادي الدولي تحولات متسارعة تعيد تشكيل حركة التجارة وتدفق رؤوس الأموال بين الاقتصادات الصاعدة، وهو ما تجلى بوضوح في الإعلان الأخير عن إطلاق ثلاث مبادرات تنموية استراتيجية مشتركة بين روسيا والهند، برعاية الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة. وتركز هذه المبادرات على قطاعات حيوية تشمل أنظمة المدفوعات العابرة للحدود، وتوطين وتطوير التقنيات المتقدمة كالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى بناء وتأهيل الكوادر البشرية المتخصصة. تأتي خطوة تطوير منظومات دفع تعتمد على العملات الوطنية ومنصات الدفع البديلة مثل "بريكس باي" لتفتح مساراً عملياً لتجاوز التعقيدات المرتبطة بآليات التحويل المالي التقليدية. وبالتوازي مع ذلك، فإن فتح قنوات مباشرة لتمكين شركات التكنولوجيا الفائقة من دخول أسواق جديدة متبادلة، والتركيز على مشروعات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، يعكس توجهاً عالمياً نحو بناء تحالفات اقتصادية متعددة الأطراف تسعى إلى تقليل المخاطر الجيوسياسية وتعزيز استقلالية القرار المالي والاستثماري. من زاوية قانون الشركات وتشريعات الاستثمار، يحمل هذا التحول دلالات بالغة الأهمية لرواد الأعمال والكيانات التجارية التي تسعى لاقتناص الفرص داخل تكتل «بريكس» والأسواق الناشئة: أولاً: إعادة صياغة هياكل العقود والصفقات الدولية مع تنامي استخدام العملات المحلية في التسويات التجارية ومنصات الدفع المبتكرة، تصبح صياغة العقود التجارية العابرة للحدود بحاجة إلى مراجعة قانونية متعمقة. يشمل ذلك تحديد عملة السداد بوضوح، ووضع بنود تحوط دقيقة ضد مخاطر تقلبات أسعار الصرف، إضافة إلى تحديد الآليات القانونية الملزمة لفض المنازعات في حال تعثر التحويلات المصرفية عبر الأنظمة المستحدثة. ثانياً: متطلبات تأسيس الشركات والامتثال في الأسواق الأجنبية إن دخول شركة تعمل في مجال التكنولوجيا أو الصناعات المتقدمة إلى سوق أجنبية كالسوق الهندية أو الروسية يستلزم اختيار النموذج القانوني الأمثل، سواء عبر تأسيس فرع محلي، أو إنشاء شركة تابعة مملوكة بالكامل، أو الدخول في شراكات ومشاريع مشتركة (Joint Ventures) مع شركاء محليين. وتتطلب كل صيغة فهماً دقيقاً لقوانين الاستثمار الأجنبي المباشر، ونسب المساهمة المسموح بها، والالتزامات الضريبية والعمالية المقررة في كل دولة. ثالثاً: حماية الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا تمثل المبادرات التكنولوجية القائمة على تبادل المعرفة والذكاء الاصطناعي والرقمنة الصناعية تحدياً تشريعياً يتعلق بحماية براءات الاختراع والبرمجيات وحقوق الملكية الفكرية. لا بد لأي كيان يرغب في التوسع الخارجي من إبرام اتفاقيات عدم إفصاح صارمة (NDAs)، وتحديد حقوق استغلال الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا بدقة لتفادي أي نزاعات مستقبلية تهدد الأصول المعنوية للشركة. رابعاً: التحقق من قيود الامتثال والعقوبات الدولية في ظل بيئة دولية معقدة وشبكة واسعة من العقوبات المفروضة على قطاعات مختلفة، تبرز ضرورة إجراء دراسات العناية الواجبة (Due Diligence) قبل الدخول في أي شراكات عابرة للحدود، لضمان عدم تعارض العمليات التجارية مع القوانين الدولية أو تعريض الشركة لمخاطر الامتثال المصرفي. ختاماً، تؤكد هذه المبادرات أن بوابات الاستثمار نحو الأسواق الصاعدة لم تعد تقتصر على التجارة السلعية، بل امتدت لتشمل التكنولوجيا المالية والحلول الرقمية المتقدمة. وللاستفادة من هذه الفرص الواعدة مع تقليص المخاطر التنظيمية والتشغيلية، يبقى الاستعانة بالمستشارين المتخصصين في قانون الشركات والاستثمار الدولي ركيزة أساسية لتأمين التوسع المؤسسي وضمان نجاحه المستدام.