أطلقت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) تحذيراً بالغ الأهمية حول تزايد المخاطر المركبة التي تواجه الأمن الغذائي والقطاع الزراعي على المستوى الدولي. ويأتي هذا التنبيه في ظل تزامن اضطرابات الملاحة وحركة الناقلات في الممرات المائية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، مع تداعيات الظواهر المناخية المتطرفة، وفي مقدمتها ظاهرة «النينيو» التي تؤثر بشكل ملموس على أنماط الطقس ودرجات الحرارة ومعدلات هطول الأمطار عالمياً. وأوضح خبراء المنظمة أن الخطر الأكبر لا ينبع من كل عامل على حدة فحسب، بل من التأثير التراكمي وتغذية كل خطر للآخر؛ فالاضطرابات الجيوسياسية التي تطال ممرات الطاقة تنعكس مباشرة في صورة ارتفاع أسعار الوقود والغاز الطبيعي، وهما المكونان الأساسيان في تشغيل الآلات والمعدات الزراعية وصناعة الأسمدة النيتروجينية والكيميائية. وعندما تترافق هذه الزيادات في تكاليف المدخلات مع شح الإمدادات وصعوبة وصولها إلى الأسواق، يجد المزارعون والشركات الزراعية أنفسهم مجبرين على تقليص المساحات المزروعة أو خفض معدلات التسميد والري، مما يؤدي تلقائياً إلى تراجع إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية. من جهة أخرى، تفرض ظاهرة «النينيو» تحديات بيئية بالغة القسوة؛ إذ تؤدي إلى موجات جفاف حادة في بعض المناطق الزراعية الكبرى، وموجات فيضانات وسيول غير مسبوقة في مناطق أخرى. هذه التقلبات المناخية لا تضعف فقط قدرة الأراضي الزراعية على الإنتاج، بل تحد أيضاً من قدرة الدول المصدرة على تعويض العجز الحاصل في مناطق النقص، ما يضاعف من الضغوط التضخمية على أسعار السلع الغذائية الأساسية مثل القمح والأرز والذرة، ويخلق أزمات تموينية للدول المستوردة. وتؤكد التقارير أن إدارة هذه الأزمة تتطلب نظرة شمولية تتجاوز مجرد مراقبة المحاصيل، لتمتد إلى دراسة أسواق الطاقة، ورصد سياسات التحول نحو الوقود الحيوي، ومتابعة الانبعاثات والتحولات المناخية. فالطلب المتزايد على المحاصيل لاستخدامها في إنتاج الوقود الحيوي، كبديل للطاقة التقليدية المرتفعة السعر، قد يقتطع بدوره جزءاً من الأراضي والمحاصيل المخصصة للغذاء، مما يعمق أزمة الجوع وسوء التغذية وتراجع القيمة الغذائية لبعض الأغذية الأساسية. وهنا يبرز الدور المحوري الذي يقدمه استشاريو الطاقة والبيئة؛ حيث لم يعد التعامل مع المتغيرات المناخية ترفاً أو مسألة امتثال شكلي، بل صار ضرورة استراتيجية لحماية استمرارية الأعمال والاستثمارات الزراعية والصناعية. يساعد مستشار الطاقة والبيئة المؤسسات في بناء نماذج للتنبؤ بالمخاطر المناخية، وتقييم كفاءة استخدام الموارد الطبيعية كالمياه والطاقة في العمليات الإنتاجية، ووضع خطط للتكيف مع ندرة الموارد، فضلاً عن التحول نحو حلول الطاقة المتجددة وأنظمة الري الذكية لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المتقلب. إن الصدمات المناخية والجيوسياسية المتزامنة تفرض على صانعي القرار ومجتمع الأعمال الاستثمار في المرونة البيئية وتنويع مصادر الطاقة والمدخلات، لضمان استدامة الإنتاج وتحصين سلاسل الغذاء ضد التقلبات المتسارعة التي باتت عنواناً للمرحلة الراهنة.