يشهد قطاع التكنولوجيا وتطبيقات الذكاء الاصطناعي قفزات نوعية متسارعة، امتدت لتحدث تحولاً جذرياً في سلوك الأفراد تجاه صحتهم الشخصية. فبعد أن كانت المحركات التقليدية للبحث هي الوجهة الأولى للاستفسار عن الأعراض المرضية، باتت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي وروبوتات الدردشة الذكية تلعب دور المستشار الطبي الأولي لدى شريحة متزايدة من المستخدمين حول العالم. وكشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في مجال الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع فرق تطوير النماذج اللغوية، وشملت مئات الآلاف من المستخدمين، أن قرابة 20% من المحادثات اليومية مع روبوتات الذكاء الاصطناعي تتضمن تقييماً لأعراض صحية أو استفسارات عن حالات مرضية محددة. وتوضح هذه البيانات أن روبوتات المحادثة لم تعد مجرد منصات لجمع المعلومات العامة، بل أصبحت بمثابة محطة أولى يلجأ إليها المريض لمحاولة فهم مرضه قبل التوجه إلى الطبيب، أو لمساندة أفراد أسرته في التعامل مع حالاتهم الصحية. ويرى خبراء التحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي أن هذه الأدوات تتمتع بمزايا استثنائية مقارنة بمحركات البحث التقليدية؛ إذ توفر بيئة تفاعلية تتيح للمستخدم طرح أسئلة متابعة وتلقي شروحات مبسطة للمصطلحات الطبية المعقدة ونتائج الفحوصات المخبرية. كما تسهم قدرة هذه النماذج على تخصيص الإجابات بحسب لغة المستخدم وثقافته ومستواه المعرفي في تعزيز الثقافة الصحية وتسهيل الوصول إلى المعلومة، لا سيما في ظل التوقعات الدولية بوجود عجز كبير في الكوادر الطبية حول العالم خلال السنوات القادمة. وفي المقابل، يحذر المتخصصون من الاعتماد المفرط على تقنيات الذكاء الاصطناعي في التشخيص الذاتي وتحديد بروتوكولات العلاج. فالنماذج اللغوية، رغم دقتها المتزايدة، قد تعطي استنتاجات غير مكتملة أو تولد معلومات مضللة تمنح المريض شعوراً زائفاً بالأمان، مما يؤدي إلى تأخير التدخل الطبي اللازم أو الخضوع لإجراءات غير ضرورية. كما تبرز تحديات تتعلق بجودة النماذج باللغات المختلفة وحماية البيانات الصحية الشخصية وسريتها. إن مستقبل توظيف الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية يجب ألا يُبنى على استبدال الطبيب، بل على التكامل بين الخوارزميات الذكية والخبرة السريرية البشرية؛ بحيث يُستفاد من التحليلات البيانية الضخمة في الكشف المبكر والوقاية وإدارة العمليات، مع بقاء القرار التشخيصي والعلاجي مسؤولية حصرية للمختصين المرخصين.