/articles/8406859459679171/
جاري التحميل
S
Seif Emad 17 أغسطس 2026 الجميع
😊 سعيد
استشاري محامي (عام)

الأخطاء الطبية بين المسؤولية الجنائية والمدنية بقلم: سيف الدين من وجهة نظري، تُعد مهنة الطب من أسمى المهن الإنسانية، لما تؤديه من دور أساسي في حماية حياة الإنسان وصحته، إلا أن ممارسة العمل الطبي، كأي عمل مهني، لا تخلو من احتمالية وقوع الخطأ. ومن هنا يثور تساؤل مهم: متى يكون الخطأ الطبي مجرد خطأ مهني يستوجب التعويض، ومتى يرتقي إلى مرتبة الجريمة التي تستوجب العقاب؟ أرى أن الأصل هو عدم مساءلة الطبيب جنائيًا لمجرد أن نتيجة العلاج لم تكن كما كان مأمولًا؛ فالطب بطبيعته يقوم على الاحتمال، ولا يمكن ضمان الشفاء في جميع الحالات. وإنما تبدأ المسؤولية عندما يثبت أن الطبيب قد انحرف عن الأصول والقواعد الطبية المستقرة، وكان هذا الانحراف نتيجة إهمال أو رعونة أو عدم احتراز، وترتب عليه ضرر، وثبتت علاقة السببية بين الخطأ والنتيجة. أولًا: متى يكون الخطأ الطبي جريمة؟ من وجهة نظري، لا يمكن اعتبار الخطأ الطبي جريمة لمجرد حدوث نتيجة سلبية للمريض، وإنما يجب توافر أركان المسؤولية الجنائية، ومن أهم صور الخطأ التي قد تستوجب المساءلة: الإهمال، والرعونة، وعدم الاحتراز، ومخالفة القواعد والأصول الطبية المستقرة. فإذا ترتب على هذا الخطأ وفاة المريض أو إصابته، فقد تتحقق المسؤولية الجنائية، متى توافرت الأركان والشروط التي يحددها القانون. والأهم هنا هو ألا تكون النتيجة وحدها هي معيار المسؤولية، وإنما يجب بحث سلوك الطبيب نفسه، ومدى التزامه بالأصول العلمية والمهنية، وما إذا كان بإمكانه توقع النتيجة وتفاديها في الظروف المحيطة بالحالة. ثانيًا: المسؤولية المدنية والتعويض ومن ناحية أخرى، قد يكون هناك خطأ طبي لا يصل إلى درجة الجريمة، ومع ذلك يترتب عليه التزام بالتعويض متى ثبت وقوع ضرر نتيجة إخلال الطبيب بالتزاماته المهنية. وأرى أن التعويض في هذه الحالة يمثل وسيلة لجبر الضرر الذي أصاب المريض، سواء كان ضررًا ماديًا أو أدبيًا، وفقًا للقواعد القانونية المنظمة للمسؤولية المدنية. وهنا يجب التفرقة بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية؛ فالمسؤولية الجنائية تستهدف حماية المجتمع ومساءلة مرتكب الفعل الذي يشكل جريمة، بينما تهدف المسؤولية المدنية في الأساس إلى جبر الضرر وتعويض المضرور. ثالثًا: ليس كل فشل علاجي خطأً طبيًا وفي تقديري، من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى توضيح في هذا المجال أن ليس كل فشل علاجي أو مضاعفة صحية دليلًا على وجود خطأ طبي. فقد تحدث مضاعفات طبية، وقد يفشل العلاج أو تتدهور حالة المريض، رغم التزام الطبيب بالأصول والقواعد الطبية المتعارف عليها، ودون أن يكون الطبيب قد ارتكب خطأ يستوجب المساءلة. لذلك يجب دائمًا التفرقة بين المضاعفات الطبية المحتملة التي قد تحدث رغم اتخاذ الإجراءات اللازمة، وبين الخطأ الطبي الناتج عن الإهمال أو الرعونة أو مخالفة الأصول المهنية. الخلاصة من وجهة نظري أرى أن تحقيق التوازن في قضايا الأخطاء الطبية أمر بالغ الأهمية؛ فلا يجوز أن يتحول كل فشل علاجي إلى اتهام جنائي للطبيب، كما لا يجوز في المقابل أن تكون طبيعة العمل الطبي ذريعة للإفلات من المسؤولية متى ثبت الخطأ وتحققت أركان المسؤولية. فالعدالة تقتضي حماية حق المريض في سلامته، وضمان حصوله على التعويض متى ثبت استحقاقه، وفي الوقت ذاته حماية الطبيب من المسؤولية التي لا تستند إلى خطأ ثابت. وفي النهاية، المعيار الحقيقي للمساءلة ليس مجرد حدوث الضرر، وإنما ثبوت الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما، وتحديد ما إذا كان هذا الخطأ يرتب مسؤولية جنائية أم مدنية وفقًا لأحكام القانون. بقلم: سيف الدين وجهة نظر قانونية

0 تعليق
تعليق