/articles/7729118733624636/
جاري التحميل
م
مريم سليم من ساعة الجميع
أخصائي تعديل سلوك أطفال ومراهقين

كشف تقرير حديث وصادم صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) عن تعرض ما يقارب 20 مليون طفل ومراهق للاستغلال أو الإساءة الجنسية عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي خلال عام واحد فقط في 21 دولة. وتُظهر البيانات أن أكثر من خُمس الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاماً في المناطق المشمولة بالدراسة واجهوا شكلاً من أشكال الانتهاك الإلكتروني، مما يعكس تحول الفضاء الرقمي إلى بيئة محفوفة بالمخاطر تتطلب يقظة أسرية وتدخلات سلوكية ونفسية متخصصة. وأبرزت دراسة «يونيسيف» أن نحو 15 مليون طفل تعرضوا لمحتوى غير لائق دون رغبتهم، بينما تعرض قرابة 9 ملايين لضغوط وابتزاز للدخول في محادثات أو مشاركة صور حساسة، بالإضافة إلى تداول صور تخص نحو 4 ملايين قاصر دون موافقتهم. وتفاقمت هذه الأزمة مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث أشار أكثر من مليون طفل في تسع دول إلى توليد ونشر محتوى مفبرك يمس خصوصيتهم. وتكمن الصدمة الأكبر في أن أكثر من نصف المعتدين كانوا من دائرة المعارف القريبة أو البيئة المحيطة، وأن أقل من 1% فقط من الضحايا يبلغون السلطات أو خطوط المساعدة الرسمية، مفضلين المعاناة في صمت مدفوعين بمشاعر الخوف والذنب والوصم الاجتماعي. من المنظور النفسي والسلوكي، دقت الدراسة ناقوس خطر شديد الأهمية؛ فالأطفال والمراهقون الذين تعرضوا للاستغلال عبر الإنترنت أظهروا احتمالية أكبر بأربعة أضعاف للإبلاغ عن أفكار انتحارية أو اللجوء إلى إيذاء النفس مقارنة بأقرانهم، إلى جانب معاناتهم من مستويات حادة من القلق المرضي والاكتئاب واضطرابات النوم وتراجع التحصيل الدراسي. وتضع هذه الصدمات الرقمية الجهاز العصبي والنفسي للمراهق في حالة مستمرة من التهديد والاستنفار، مما يؤدي إلى تشوهات في مفهوم الثقة بالنفس وبالآخرين، ويولد سلوكيات انعزالية حادة. ويؤكد الخبراء المتخصصون في سلوك الأطفال والمراهقين أن التعامل مع هذه التحديات يبدأ من المنزل والمدرسة عبر الانتباه إلى المؤشرات السلوكية التحذيرية، مثل: التغيرات المفاجئة في المزاج، والعصبية غير المبررة عند استخدام الهاتف أو التواجد بالقرب منه، والانسحاب من الأنشطة الاجتماعية، وإخفاء الشاشات بشكل مريب. كما يُعد بناء علاقة قائمة على الأمان والدعم غير المشروط حجر الزاوية لحماية الأبناء؛ فمعاقبة الطفل أو توبيخه عند اكتشاف تعرضه للابتزاز يدفعه إلى مزيد من الانغلاق، بينما يحتاج في هذه اللحظات إلى احتواء نفسي واعي يعيد إليه الإحساس بالأمان. إن مواجهة هذا الواقع الرقمي المعقد لا تقتصر على الأدوات الرقابية وبرامج الأمان التقنية التي توفرها المنصات، بل تستلزم تعزيز الحوار المفتوح وتزويد المراهقين بمهارات الوعي الرقمي وتوكيد الذات. وعند ملاحظة أي بوادر صدمة أو تغيرات سلوكية مقلقة لدى الابن أو الابنة، يصبح اللجوء إلى أخصائي نفسي وسلوكي متخصص خطوة جوهرية لا غنى عنها لمساعدة الطفل على تجاوز آثار الاستغلال واستعادة توازنه النفسي والاجتماعي بأمان.

0 تعليق
تعليق