أعادت محكمة جنوة المدنية في إيطاليا تسليط الضوء على واحدة من أعقد القضايا القانونية المرتبطة بالكوارث البحرية في العصر الحديث، بعد إصدارها حكماً يلزم شركة التصنيف الإيطالية «رينا» بدفع تعويضات تتجاوز 60 مليون يورو لأسر ضحايا وناجين من غرق العبّارة المصرية «السلام بوكاتشيو 98»، التي غرقت في مياه البحر الأحمر عام 2006 وتسببت في وفاة أكثر من ألف شخص. يمثل هذا الحكم سابقة لافتة في مجال فض المنازعات العابرة للحدود وتحديد المسؤولية المدنية للشركات الفنية المتخصصة، إذ لم يتوقف المسار القضائي عند حدود الأحكام الجنائية التي صدرت وانتهت في مصر، بل امتد عبر ولايات قضائية أوروبية لملاحقة الجهة التي منحت السفينة شهادات الصلاحية وتصنيف السلامة للإبحار. تمحور جوهر النزاع القانوني الدولي في هذه القضية حول دفع الشركة الإيطالية بحصانتها القضائية، مستندة إلى أن أعمال الفحص والتصنيف التي أجرتها تمت بتفويض رسمي من دولة بنما التي كانت السفينة ترفع علمها. هذا الدفع قاد القضية إلى محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي أرست في عام 2020 مبدأً قانونياً بالغ الأهمية؛ حيث قضت بأن تفويض الشركات الخاصة بمهام رقابية أو فنية نيابة عن الدول لا يمنحها بالضرورة حصانة سيادية تحميها من المساءلة القضائية، ما لم تكن الأعمال محل النزاع تمثل ممارسة مباشرة للسلطة العامة بمفهومها السيادي. وفقاً لحيثيات المحكمة المدنية، أثبتت تقارير الخبرة الفنية وجود قصور في مراجعة وتوضيح معايير التصميم التشغيلي للسفينة، لا سيما ما يتعلق بآليات تصريف المياه من منظومة الاتزان داخل منطقة السيارات، فضلًا عن عدم إتاحة أدلة تشغيل واضحة باللغة التي يفهمها الطاقم لإدارة الطوارئ بكفاءة. ورغم أن الشركة تمسكت بنفي مسؤوليتها محملة الخطأ لمالك السفينة وربانها استناداً للتحقيقات السابقة، إلا أن المحكمة اعتبرت أن الإخلال بالواجبات المهنية في إصدار شهادات السلامة يرتب مسؤولية مدنية مباشرة تجاه المتضررين. يعكس هذا التطور أهمية الاستعانة بخبراء فض المنازعات الدولية والقانون المقارن عند التعامل مع كوارث أو أضرار ذات أبعاد متعددة الجنسيات؛ حيث تتداخل قوانين دولة العلم ودولة الحادث والدول التي تتخذها الكيانات الفنية أو الاستشارية مقراً لها. كما يؤكد المسار أن سقوط الدعوى الجنائية أو انقضاء العقوبات بالتقادم لا يمنع بالضرورة ملاحقة التعويضات المدنية عبر آليات التقاضي أو التحكيم الدولي. توضح الواقعة لشركات النقل والجهات المانحة للتراخيص والشهادات الدولية ضرورة توخي أعلى معايير الامتثال والشفافية وتوثيق إجراءات التفتيش الفني، تجنباً لالتزامات مالية وقانونية عابرة للحدود قد تلاحقها لعقود. وتتيح منصة ليكسورا التواصل مع نخبة من الخبراء القانونيين والمحكمين الدوليين المتخصصين في إدارة النزاعات المعقدة والمسؤولية المدنية العابرة للحدود.