/articles/5367667098915890/
جاري التحميل
ه
هشام جرجس من ساعة الجميع
أخصائي تعديل سلوك أطفال ومراهقين

يشكل قرار السلطات المصرية الأخير، ممثلة في المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، خطوة تنظيمية فارقة في مسار حماية النشء في الفضاء الرقمي. القرار وضع ضوابط حاسمة تحظر على الأطفال دون سن الثالثة عشرة إنشاء حسابات مستقلة على منصات التواصل الاجتماعي، مع إلزام المنصات بتفعيل نمط الاستخدام الآمن إجباريًا للفئة العمرية بين 13 و15 عامًا، والتحقق الفعلي من أعمار المستخدمين خلال مهلة زمنية محددة. وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع مبادرات وطنية سابقة مثل «شريحة الطفل» وخدمات الرقابة الأبوية. ورغم الأهمية البالغة لهذه الأطر القانونية والتقنية، إلا أنها تعيد تسليط الضوء على جوهر الأزمة التي تواجهها آلاف الأسر يوميًا؛ وهي صعوبة إدارة السلوك الرقمي للأطفال والمراهقين داخل المنازل. فالشاشات والهواتف الذكية تحولت بمرور الوقت من أدوات ترفيهية أو تعليمية إلى متنفس للأهل وسط ضغوط الحياة والعمل، وسرعان ما تحولت لدى الأبناء إلى وسيلة الاتصال الأساسية بنظرائهم وبوابة لاستهلاك بصري لا يتوقف. من المنظور السلوكي والنفسي، لا تقتصر مخاطر الاستخدام المفرط لشبكات التواصل على التعرض للمحتوى غير الملائم فحسب، بل تمتد لتؤثر في نمو المهارات الاجتماعية والعاطفية للطفل. فقضاء ساعات طويلة أمام المقاطع السريعة يؤدي إلى تقليل مدى الانتباه والتركيز، ويخلق حالة من «التبلد» والانفصال عن الواقع الحقيقي والأسري، فضلاً عن تعزيز مشاعر القلق والمقارنة الاجتماعية غير الواقعية لدى المراهقين. ويؤكد المختصون في تعديل السلوك أن الاعتماد على المنع الصارم أو القيود التقنية وحدها يظل حلاً منقوصاً ما لم يرافقه تدخل سلوكي وتوعوي مستدام. فالمنع الجاف دون إقناع أو بدائل غالبًا ما يدفع الأطفال والمراهقين إلى محاولة الالتفاف على القيود عبر تزييف البيانات أو إنشاء حسابات سرية، وهو ما يخلق فجوة ثقة عميقة بين الأبناء وأولياء أمورهم. وللتعامل مع هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى تبني استراتيجيات تدريجية في تعديل السلوك الأسري تشمل: 1. وضع قواعد واضحة ومتفق عليها لمواعيد استخدام الأجهزة، تتسم بالثبات والمرونة معًا، بدلاً من القرارات الانفعالية المفاجئة. 2. إيجاد أنشطة بديلة محفزة تشمل الرياضة، والأنشطة التفاعلية، والمهام الأسرية المشتركة لملء الفراغ الذي يتركه الهاتف. 3. تفعيل الحوار المفتوح مع الأطفال حول أسباب القيود والمخاطر الرقمية، بما ينمي لديهم الرقابة الذاتية والوعي النقدي لما يشاهدونه. 4. تقديم نموذج القدوة؛ إذ يصعب إلزام الأبناء بترك الهواتف في حين يقضي الآباء جل أوقاتهم خلف الشاشات. إن حماية الأجيال الناشئة من الانزلاق في إدمان الفضاء الرقمي مسؤولية مشتركة تتكامل فيها التشريعات الحكومية الصارمة مع دور أخصائيي تعديل السلوك في تمكين الأسر من مهارات التربية الإيجابية، لخلق بيئة صحية توازن بين الاستفادة من معطيات العصر الرقمي والحفاظ على السلامة النفسية والسلوكية للأبناء.

0 تعليق
تعليق