/articles/5077127701108238/
جاري التحميل
ب
بهاء دسوقي 12 أغسطس 2026 الجميع
استشاري قانون جنائي

شهدت الساحة التشريعية والقانونية في لبنان خطوة فارقة بإقرار مجلس النواب لاقتراح قانون العفو العام المعدل، بعد مواجهات وسجالات سياسية وفقهية استمرت لأشهر طويلة. يهدف هذا القانون بصورة استثنائية إلى تخفيض مدة بعض العقوبات وإسقاط الملاحقات القضائية عن أعداد من الموقوفين والمحكومين، وهو ما يثير العديد من التساؤلات القانونية حول نطاق تطبيق العفو العام، والحدود الفاصلة بين السياسة الجنائية للتدابير الاستثنائية وحقوق المتضررين. وفقاً للصياغات التشريعية التي أُقرت، يغطي العفو العام الجرائم المرتكبة قبل تاريخ محدد، ويؤدي قانوناً إلى انقضاء الدعوى العمومية وسقوط العقوبات الصادرة في القضايا المشمولة به. ومع ذلك، حرص التشريع على الفصل التام بين الحق العام والحق الشخصي؛ إذ يظل للمتضررين والمدعين بالحق المدني كامل الحق في المطالبة بالتعويضات المدنية أمام المحاكم المختصة، وهو المبدأ المستقر في الفقه الجنائي بشأن قوانين العفو. من الناحية القانونية والجنائية، يتجلى التدقيق التشريعي في قائمة الاستثناءات الواسعة التي نص عليها القانون؛ حيث جرى استبعاد الجرائم الأشد خطورة لضمان عدم الإفلات من العقاب في القضايا ذات المساس بالأمن القومي أو السلامة المباشرة للأفراد. وتشمل هذه الاستثناءات جرائم القتل العمد، والإرهاب الموجه ضد المدنيين والعسكريين، والتجسس، والجرائم المتعلقة بالفساد والإثراء غير المشروع والاعتداء على المال العام، إضافة إلى جرائم غسل الأموال، والاغتصاب، والاتجار بالبشر، والعنف الأسري، والتعذيب. كما استثنى القانون جرائم تكرار السرقة وتجارة المخدرات، مما يعكس توجهاً جنائياً ينحاز لحماية المجتمع من المحترفين وأصحاب السوابق. في المقابل، فتح القانون باب الاستفادة لفئات محددة من المحكومين والموقوفين في جرائم أقل خطورة أو ذات طابع اجتماعي؛ مثل متعاطي المخدرات للمرة الأولى، ومزارعي القنب، والمدانين بمخالفات حيازة الأسلحة غير المرتبطة بأعمال قتل أو إرهاب. كما تناول القانون معالجة استثنائية لأوضاع العقوبات السالبة للحرية، حيث جرى تحويل عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة إلى السجن لمدد محددة، مع خفض العقوبات الأخرى بمقدار الثلث، وهو إجراء يتطلب إعادة تكييف تنفيذ العقوبات لدى النيابات العامة وإدارات السجون. أما الإشكالية القانونية الأكثر إثارة للجدل فتتمثل في وضع الموقوفين احتياطياً لفترات طويلة دون صدور أحكام نهائية بحقهم. فقد حدد القانون مدة معينة للتوقيف الاحتياطي تتيح إطلاق سراح المتهم مع استمرار محاكمته طليقاً. وتطرح هذه المادة أبعاداً إنسانية وقانونية ترتبط بالحق في المحاكمة العادلة وضمانات المتهم أثناء مرحلة التحقيق والتقاضي. إن قوانين العفو العام، رغم استخدامها في النظم القانونية كأداة لتخفيف التوتر الاجتماعي واكتظاظ السجون، تتطلب دراسة دقيقة من الخبراء والمحامين الجنائيين لتحديد مدى انطباق شروط العفو على كل حالة فردية على حدة، ومتابعة القضايا أمام الجهات القضائية لتحديد ما إذا كانت الجريمة تدخل ضمن نطاق الاستثناءات أو الشمول.

0 تعليق
تعليق