أثارت نتائج أحدث التقارير الصادرة عن الاختبارات الدولية لتقييم الطلاب، وعلى رأسها برنامج تقييم الطلاب الدولي (PISA)، حالة واسعة من القلق بين الأوساط الأكاديمية والتربوية حول العالم. وتكشف الأرقام عن تراجع ملحوظ ومستمر في مستويات تحصيل المراهقين في سن الخامسة عشرة – والذين يمثلون قلب «جيل زد» – في المهارات التأسيسية الثلاث: القراءة، والرياضيات، والعلوم. هذا التراجع لم يكن وليد اللحظة أو أزمة طارئة مرتبطة فقط بجائحة كورونا، بل تشير البيانات إلى أن بوادره بدأت في الظهور منذ عام 2012 تقريباً، وأخذت وتيرته تتصاعد بشكل مقلق، ولا سيما في مهارات الفهم القرائي والاستيعاب اللغوي. من زاوية الإرشاد التربوي والطلابي، فإن هذه الظاهرة تستدعي تفكيكاً عميقاً للمتغيرات التي طرأت على البيئة التعليمية والنفسية للطلاب خلال العقد الماضي. في مقدمة هذه العوامل يبرز الانتشار الكاسح للأجهزة الذكية وشاشات التواصل الاجتماعي؛ إذ أدى نمط الاستهلاك السريع للمحتوى عبر مقاطع الفيديو القصيرة والرسائل الفورية إلى تقليص المدى الزمني لانتباه الطلاب (Attention Span)، مما جعل مهمة الجلوس لقراءة نص طويل وتحليله أو حل مسألة رياضية معقدة تتطلب تفكيراً متسلسلاً أمراً بالغ الصعوبة ومُجهداً للذهن غير المعتاد على التركيز العميق. إلى جانب ذلك، فرض دخول أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي واقعاً جديداً يختبر المنظومات التعليمية التقليدية. فبينما توفر هذه الأدوات إمكانات هائلة للتعلم الذاتي، أدى الاعتماد غير الموجه عليها في أداء الواجبات المدرسية وكتابة المقالات إلى تعطيل مهارات التفكير النقدي والصياغة الذاتية والبحث المنهجي لدى شريحة واسعة من الطلاب. تحول الطالب في كثير من الأحيان من منتج للفكرة ومحلل لها إلى مجرد مستهلك أو وسيط ينقل إجابات جاهزة، وهو ما ينكشف بوضوح عند خوض الاختبارات المعيارية التي تقيس الفهم الحقيقي لا الحفظ أو الاستنساخ. ولا تقتصر المشكلة على الجانب التكنولوجي فحسب؛ بل تمتد لتشمل المناهج التعليمية نفسها وطرق التدريس. فالكثير من النظم التعليمية ما زالت تعتمد على أساليب تلقين تقليدية لا تتناسب مع الخصائص المعرفية والنفسية لجيل نشأ في عالم رقمي تفاعلي، مما يؤدي إلى فقدان الشغف بالتعلم وتراجع الدافعية الدراسية. هنا يأتي دور المستشار التربوي والمرشد الطلابي كحلقة وصل حيوية؛ إذ لم تعد الاستشارات التعليمية تقتصر على تقديم نصائح للمذاكرة، بل أصبحت تركز على إعادة تأهيل عادات التعلم، وبناء جداول زمنية متوازنة تفصل بين وقت الترفيه الرقمي والتركيز الدراسي، وتعليم الطلاب استراتيجيات القراءة النشطة وحل المشكلات. إن التعامل مع هذا التراجع يتطلب تضافر جهود الأسرة والمدرسة معاً. على أولياء الأمور إدراك أن التفوق الدراسي لا يتحقق بالضغط العصبي، بل بتوفير بيئة منزلية تدعم الهدوء والتركيز وتحد من المشتتات الرقمية. وفي الوقت ذاته، تحتاج المؤسسات التعليمية إلى تبني نماذج تقييم حديثة تراعي التطور المعرفي للطلاب دون التفريط في المهارات الأساسية. تظل الاستعانة بالخبراء في الإرشاد التربوي والطلابي خطوة أساسية للأسر والمدارس لمساعدة جيل زد على استعادة توازنه المعرفي والتفوق في عالم يزداد تعقيداً.