تعد دراسة أنماط الاستهلاك ومعدلات الطلب الفعلي على الأغذية والسلع الأساسية من الركائز الجوهرية التي يستند إليها استشاريو دراسات الجدوى وتقييم المشروعات قبل إطلاق أي استثمار جديد في القطاع الزراعي أو الحيواني أو الصناعات الغذائية. وفي هذا السياق، أظهرت بيانات حديثة صادرة عن مؤسسات إحصائية دولية تحولات ملحوظة في مستويات استهلاك اللحوم عالمياً وإقليمياً خلال عام 2025، مما يسلط الضوء على فرص استثمارية واعدة وأخرى تتطلب إعادة تقييم المخاطر وتكاليف الإنتاج. وفقاً للإحصاءات المتاحة، سجلت روسيا رقماً قياسياً غير مسبوق في استهلاك اللحوم ومنتجاتها، حيث تجاوز متوسط استهلاك الفرد سنوياً حاجز 100 كيلوجرام (بالتحديد 100.7 كيلوجرام في عام 2025 مقارنة بـ 99.9 كيلوجرام في عام 2024). وتظهر تفاصيل البيانات أن لحوم الدواجن استحوذت على النصيب الأكبر من هذا النمو برصيد 26.4 كيلوجرام للفرد، بينما استقر استهلاك لحوم البقر عند نحو 9.3 كيلوجرام. وتزامن هذا الارتفاع مع تصدر روسيا قائمة دول مجموعة العشرين من حيث انخفاض أسعار لحوم الدواجن، تليها الهند وإندونيسيا، فضلاً عن قيادتها لسوق صادرات القمح عالمياً بتصدير نحو 41 مليون طن، ما يعكس قوة بنيتها التحتية في مجالات الأمن الغذائي ومستلزمات الإنتاج. أما على المستوى الدولي، فتُظهر التحليلات تبايناً حاداً بين الأسواق؛ حيث تحتل الولايات المتحدة وأستراليا الصدارة العالمية بمعدلات استهلاك تتراوح بين 120 و140 كيلوجراماً للفرد سنوياً. وفي المقابل، تأتي دول الاتحاد الأوروبي في نطاق مرتفع ومستقر بمتوسط بين 70 و85 كيلوجراماً، مع تصدر إسبانيا والبرتغال بمعدلات تتجاوز 100 إلى 130 كيلوجراماً، في حين تسجل القارة الأفريقية أدنى المعدلات عالمياً بمتوسط لا يتعدى 9.6 كيلوجرام للفرد. وتظل الهند الحصيلة الأدنى مطلقاً بين 3 إلى 5 كيلوجرامات نظراً للثقافة والتقاليد الدينية النباتية السائدة. وعلى صعيد العالم العربي، تكشف البيانات عن تباين واضح يتأثر بالقدرة الشرائية وطبيعة العادات الغذائية؛ حيث تتصدر دول مجلس التعاون الخليجي القائمة العربية، وتقود البحرين هذا التوجه بمعدل يقارب 80 كيلوجراماً للفرد سنوياً، تتلوها قطر والكويت والإمارات والسعودية بمعدلات متقاربة. أما في دول شمال إفريقيا ومصر وتونس والمغرب، فتتراوح معدلات الاستهلاك في النطاق المتوسط بين 20 و26 كيلوجراماً للفرد سنوياً، مع هيمنة جليّة للحوم الدواجن كخيار اقتصادي أول للجمهور، يليه لحم الضأن والماعز في المناسبات والتقاليد الدينية. تتيح هذه الأرقام للمستثمرين ومصممي المشروعات الغذائية فهم طبيعة المرونة السعرية للطلب وتحديد العوامل المؤثرة في سلوك المستهلك النهائي. فعند إعداد دراسة جدوى لمشروع إنتاج داجني أو مجمع لتصنيع اللحوم في المنطقة العربية، يجب الأخذ في الاعتبار أن الدواجن تمثل الشق الأكبر من حجم السوق الاقتصادي نظرًا لانخفاض تكلفة إنتاجها مقارنة باللحوم الحمراء، مع ضرورة تقييم أسعار الأعلاف وخطوط الإمداد وسلاسل التبريد والتوزيع. كما أن التوسع في المشروعات التحويلية كمنتجات اللحوم المصنعة والنصف مصنعة يفتح آفاقاً استثمارية جديدة في الأسواق مرتفعة الدخل. إن قراءة الخرائط الاستهلاكية وتحليل اتجاهات السوق العالمية ليست مجرد أرقام إحصائية، بل هي أداة تخطيطية رئيسية تساعد أصحاب الأعمال والمؤسسات على تقليل المخاطر، واستهداف الأسواق الأكثر نمواً، وتحقيق التوازن بين التكلفة التشغيلية وصافي الأرباح المتوقعة.