جاري التحميل
آ
آلاء الرفاعي 16 أكتوبر 2026 الجميع
استشاري قانون جنائي

تظل قضايا التحرش والاعتداءات الجنسية من أكثر الملفات تعقيداً في منظومة العدالة الجنائية، حيث تتقاطع فيها التحديات القانونية مع الضغوط الاجتماعية وصعوبات الإثبات. وتفتح التحقيقات الميدانية والتقارير الحقوقية التي تناولت واقع النساء في بعض البيئات القانونية، كما هو الحال في العراق، نقاشاً قانونياً ملحاً حول كفاءة التشريعات الجنائية القائمة، ومدى قدرتها على توفير مظلة حماية حقيقية للضحايا من جهة، وردع الجناة بصرامة من جهة أخرى. من الناحية الفقهية والتشريعية، تنبع أولى العقبات الجنائية من غياب التوصيف الدقيق للأفعال؛ فالكثير من نصوص قوانين العقوبات القديمة تعتمد على مصطلحات فضفاضة ومرنة، من قبيل «التعرض لأنثى بما يخدش حياءها» أو «الفعل الفاضح العلني». هذا الغموض التشريعي يمنح مساحة واسعة من التقدير القضائي، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تكييف جرائم جسيمة على أنها مجرد جنح بسيطة، أو حتى سقوط الاتهامات عند عدم توافر أركان الإعلان أو الشهادة المباشرة. لذا، يُعد التحديد الدقيق لأركان جريمة التحرش وعناصر القصد الجنائي ضرورة تشريعية لضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الأفعال من المساءلة. المحور الثاني الذي يفرضه الواقع العملي يتعلق بمسألة «عبء الإثبات» وحجية الأدلة الجنائية. في قضايا الاعتداءات والتحرش، غالباً ما تقع الجريمة في نطاق مغلق أو في ظروف مباغتة، مما يدفع العديد من الضحايا إلى اللجوء إلى التوثيق الرقمي عبر الهواتف أو كاميرات المراقبة. ورغم أن الدليل الرقمي أضحى عنصراً حاسماً في التحقيقات الحديثة، إلا أن قبوله أمام القضاء الجنائي يتطلب استيفاء معايير فنية وإجرائية دقيقة لضمان عدم الطعن فيه بالتلفيق أو انتهاك الخصوصية. بالإضافة إلى ذلك، تواجه الضحايا اللاتي يقمن بالتوثيق مخاطر الابتزاز والانتقام والتهديد بالاعتداء، وهو ما يبرز فراغاً قانونياً يتمثل في غياب برامج فعالة لحماية الشهود والمجني عليهم في المراحل التمهيدية للتحقيق. كذلك، تبرز إشكالية «الأعذار المخففة» والمواد الاستثنائية المنصوص عليها في بعض قوانين العقوبات، مثل المواد التي تمنح الجناة أحكاماً مخففة بدعوى الدفاع عن الشرف أو الأعراف المجتمعية. يرى فقهاء القانون الجنائي أن بقاء هذه النصوص يقوض فكرة الردع العام، ويحول دون تحقيق العدالة الناجزة، إذ يفرغ العقوبة الجنائية من مضمونها الوقائي والزجري، ويفتح الباب أمام الجناة لممارسة العنف والتهرب من المسؤولية الجنائية الكاملة. إن إصلاح المنظومة الجنائية لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي لا يقتصر على تعديل العقوبات وتشديدها فحسب، بل يتطلب بناء بروتوكولات تحقيق متخصصة تراعي حساسية هذه الجرائم، وتضمن سرية الشكاوى وسرعة اتخاذ تدابير الحماية العاجلة. فالاستشارات القانونية المتخصصة في القضايا الجنائية تمثل خط الدفاع الأول للضحايا لتوجيههن نحو المسار الإجرائي السليم، بدءاً من تحرير المحاضر وحفظ الأدلة الرقمية والطبية، وصولاً إلى الادعاء بالحق المدني وملاحقة الجناة دون الخضوع للترهيب أو التنازل غير الطوعي.

0 تعليق
تعليق