تُظهر التوجهات المالية الحديثة في الاقتصادات الناشئة سعيًا متزايدًا نحو ابتكار أدوات تمويل غير تقليدية لتغطية عجز الموازنات العامة وسداد الالتزامات المستحقة، بعيدًا عن القنوات التمويلية التقليدية التي قد تشهد تراجعًا في السيولة أو شروطًا معقدة. وفي هذا السياق، كشفت مسودات الموازنة التونسية عن عزم الحكومة إصدار أول صكوك سيادية في تاريخها بقيمة تصل إلى 3 مليارات دولار بحلول عام 2027، إلى جانب اللجوء إلى التمويل المباشر من البنك المركزي بنحو 10 مليارات دينار لتغطية فجوات الإنفاق العام. يمثل التوجه نحو الصكوك السيادية ركيزة جوهرية في استراتيجيات التخطيط المالي للدول والمؤسسات الكبرى؛ فالصكوك تختلف عن السندات التقليدية بكونها أدوات تمويلية متوافقة مع الشريعة الإسلامية، قائمة على المشاركة في الأصول أو عوائد المشروعات وليس على مبدأ المديونية المحضة بفائدة ثابتة. هذا الطابع الهيكلي يتيح لجهات الإصدار استقطاب شرائح جديدة من المستثمرين، لا سيما في الأسواق الإقليمية وصناديق الاستثمار الإسلامية في منطقة الخليج وآسيا، مما يسهم في توسيع قاعدة السيولة وتقليل الاعتماد على الديون المقومة بشروط مصرفية مقيدة. من زاوية التخطيط المالي والاستثماري، يطرح المزيج التمويلي الذي تسعى إليه تونس مفارقة اقتصادية تستوجب التحليل الدقيق. فمن ناحية، يُعد اللجوء إلى الصكوك وسيلة لتنويع مصادر التدفقات المالية وتوزيع آجال استحقاق الديون على المدى المتوسط والطويل، فضلاً عن تحسين التصنيف الائتماني حال إدارة الإصدار بنجاح وتسعيره بعائد جاذب. ولكن من ناحية أخرى، فإن الاعتماد المتوازي على التمويل المباشر من البنك المركزي (طباعة النقد أو التسييل المالي لعجز الموازنة) يحمل محاذير نقدية حادة، أبرزها تأجيج التضخم، والضغط على سعر صرف العملة المحلية، وتقويض القوة الشرائية، مما قد يرفع بدوره تكلفة الاقتراض الخارجي في المستقبل. إن دروس التخطيط المالي لا تقتصر على السياسات الحكومية فحسب، بل تمتد لتشمل الشركات الاستثمارية والمؤسسات المتوسطة والكبرى. فالاعتماد على مصدر تمويلي وحيد، سواء كان تسهيلات ائتمانية بنكية أو توريقًا غير محسوب، يعرض الكيان لمخاطر السيولة والتذبذبات النقدية الحادة. وتُبرز تجربة التوجه نحو الصكوك أهمية امتلاك استراتيجية تمويلية متعددة الأوجه، تشمل أدوات الدين المالي المهيكل، وتقييم الأصول وتوظيفها الرأسمالي، والتحوط ضد تقلبات أسعار الفائدة والعملات الأجنبية. ختامًا، تظل إدارة الديون والهيكلة المالية عملية تتطلب موازنة دقيقة بين توفير السيولة العاجلة والحفاظ على الاستقرار المالي طويل الأجل. ويتيح التعاون مع مستشاري التخطيط المالي والاستثمار عبر منصة «ليكسورا» للمستثمرين وقادة الأعمال فهم اتجاهات أسواق المال الإقليمية وأدوات الصكوك والتمويل البديل، وتصميم استراتيجيات استثمارية تحمي أصولهم وتعزز جاهزيتهم لمواجهة التحولات الاقتصادية.