تشهد الساحة الإعلامية في العالم العربي، وفي مصر على وجه الخصوص، تحولات هيكلية عميقة في أنماط استهلاك المحتوى وطرق تواصل الجمهور مع الأخبار والرسائل المؤسسية. وفي هذا السياق، تطرقت الكاتبة الصحفية وصانعة المحتوى المصرية إيمان رافع الطهطاوي إلى ظواهر ومفاهيم إعلامية ومجتمعية تسعى لتسليط الضوء عليها برؤية تدمج بين خبرة الأجيال والقدرة على مواكبة العصر الرقمي المتسارع. وفي قراءة واعية للفجوة الإعلامية الراهنة، أشارت الطهطاوي إلى أن وسائل الإعلام المرئي والتلفزيون الرسمي لم تعد تعبر بوضوح عن نبض الشارع أو تلامس اهتمامات المواطن اليومية بالشكل المطلوب، مما فسح المجال أمام الهاتف المحمول ومنصات التواصل الاجتماعي لتصبح المصدر الأول لمعظم الفئات العمرية للحصول على المعلومات والتفاعل مع القضايا المختلفة. سطوة الهاتف المحمول وتراجع الإعلام التقليدي يحمل هذا التحول في سلوك الجمهور دلالات بالغة الأهمية لمختصي العلاقات العامة واستراتيجيات الإعلام المؤسسي. فالاعتماد المتزايد على الشاشات الصغيرة لم يعد مجرد تغيير في أداة العرض، بل هو تحول جذري في طبيعة الرسالة الإعلامية وزمن وصولها وديناميكية التفاعل معها. ولم يعد الجمهور يتلقى الرسائل بسلبية كما كان يحدث مع وسائل الإعلام التقليدية، بل أصبح مشاركاً وصانعاً للمحتوى وقادراً على تقييم مدى مصداقية وجاذبية ما يُعرض عليه. وقد حذرت الطهطاوي القائمين على الإعلام الرسمي والمؤسسي من الخطورة الناتجة عن تجاهل هذه الديناميكية الجديدة، مشيرة إلى أن الهاتف المحمول بات يفرغ الإعلام التقليدي من قوته وتأثيره التاريخي إذا لم تتطور الأدوات وتتغير الخطابات السائدة. تحديات الخطاب الإعلامي والرسائل الحكومية من بين النقاط الجوهرية التي أثيرت أيضاً، نقد الأسلوب المتبع في بث الرسائل الرسمية والتسويق للمفاهيم الحكومية أو المؤسسية. فغلبة الطابع الدعائي المباشر ولغة الإعلانات التقليدية على الرسائل الإعلامية تفقدها التأثير والاقناع لدى الشارع. فالجمهور الحديث، وبخاصة الفئات الشبابية، يبحث عن المصداقية والواقعية والحوار المفتوح، بينما ينفر من الخطابات النمطية أو الموجهة بصيغة أفقية جافة. وهنا تبرز أهمية تطوير استراتيجيات العلاقات العامة الحديثة القائمة على الفهم العميق للجمهور المستهدف، وصياغة الرسائل بأسلوب سردي يجذب الانتباه ويعبر عن قضايا الناس الحقيقية، بدلاً من الاعتماد على الدعاية التقليدية التي لم تعد تؤدي غرضها في عصر الفضائيات والمنصات الرقمية. صناعة المحتوى والتواصل عبر الأجيال تقديم الطهطاوي لنفسها بلقب جدة ذات آراء عصرية يعكس بعداً آخر يتعلق بإمكانية بناء جسور للتواصل بين الأجيال عبر منصات التواصل الحديثة. فالصانع المحتوى الناجح هو من يستطيع فهم دوافع سلوك الشباب والأحفاد واستيعاب تغيرات عصرهم دون فرض آراء وصائية، وهو ما يجسد الرؤية الحديثة للإعلام التفاعلي والإرشاد التواصلي. إن هذه القضايا المطروحة تضع المؤسسات والخبراء في مجالات الإعلام والعلاقات العامة أمام ضرورة ملحة لمراجعة الأدوات والآليات المستعملة، والتحول نحو استراتيجيات رقمية مرنة تعتمد على الشفافية وتواكب متطلبات العصر الرقمي المتسارعة.