يشهد قطاع البنية التحتية والموانئ في المنطقة العربية تحولات متسارعة تعكس رغبة الدول في التحول إلى مراكز محورية للتجارة والصناعة العالمية. وفي هذا السياق، جاء إعلان المغرب عن قرب افتتاح المحطة الأولى في ميناء «الناظور غرب المتوسط»، بالتوازي مع إطلاق أعمال توسعة الطاقة الاستيعابية لميناء «طنجة المتوسط» لتصل إلى 20 مليون حاوية، ليمثل نموذجاً عملياً لكيفية إدارة وتخطيط الاستثمارات الكبرى في البنية التحتية اللوجستية. المشروع الجديد استقطب استثمارات عامة وخاصة تناهز 5.5 مليار دولار (ما يعادل 54 مليار درهم)، مستهدفاً بناء ميناء مياه عميقة يضم محطات لتداول الحاويات بطاقة أولية تبلغ 3.5 مليون حاوية وتوسعة لاحقة، فضلاً عن منشآت متخصصة للمحروقات وتخزين الطاقة والغاز الطبيعي المسال، وربطه بشبكات الطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية المحيطة. هذه المعطيات تبرز بوضوح دور دراسات الجدوى المتكاملة وتقييم المشروعات في ترجمة الرؤى الاستراتيجية إلى مشروعات قابلة للتمويل والتشغيل المستدام. من المنظور الاستشاري لتقييم المشروعات ودراسات الجدوى، تتطلب المشروعات العملاقة (Megaprojects) منهجية تحليلية دقيقة تتجاوز مجرد تقدير التكاليف الإنشائية المباشرة، وتشمل عدة محاور رئيسية: أولاً: دراسة الطلب والجدوى السوقية (Market & Demand Analysis): تكمن قوة الموانئ الحديثة في قدرتها على جذب خطوط الملاحة الدولية وحصص من حركة إعادة الشحن (Transshipment)، إضافة إلى خدمة الصادرات الوطنية مثل صناعة السيارات والصناعات التحويلية. وتضمن دراسات الجدوى قياس حجم التدفقات المتوقعة، ومرونة الطلب أمام التغيرات الجيوسياسية، وحجم المنافسة الإقليمية. ثانياً: الجدوى الفنية والتنفيذ المرحلي (Phasing Strategy): أظهر نموذج ميناء الناظور أهمية التقسيم المرحلي للقدرات الاستيعابية (تشغيل المحطة الأولى ثم إتباعها بمحطة ثانية بحلول 2027)، وهو ما يقلل من المخاطر الرأسمالية الأولية، ويتيح تمويل التوسعات اللاحقة من التدفقات النقدية التشغيلية للمشروع نفسه، فضلاً عن التحقق من كفاءة الربط متعدد الوسائط (Multimodal Transport). ثالثاً: التحليل المالي ونماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP Valuation): الاستثمارات المختلطة تتطلب هيكلة مالية معقدة لتقييم العائد الداخلي على الاستثمار (IRR)، وتوزيع المخاطر التشغيلية والتمويلية بين الجهات الحكومية والمستثمرين الخواص، وتحديد فترات الاسترداد وآليات التسعير العادل لخدمات الموانئ والتخزين. رابعاً: تقييم الأثر الاقتصادي الشامل (Socio-Economic Impact): لا تقاس المشروعات القومية فقط بالأرباح المحاسبية المباشرة، بل بالعوائد غير المباشرة مثل خلق فرص العمل (المقدرة بنحو 14 ألف وظيفة مباشرة)، وتنشيط الأقاليم المحيطة، وتأمين سلاسل إمداد الطاقة والصناعة. إن نجاح المشروعات الرأسمالية الضخمة، سواء في الموانئ أو المناطق اللوجستية أو محطات الطاقة، يبدأ من مرحلة التقييم الاحترافي؛ حيث تتيح دراسات الجدوى المعمقة للمستثمرين وصناع القرار تجنب الإفراط في التقديرات المالية، وتحقيق أقصى كفاءة تشغيلية تسهم في تعزيز النمو الاقتصادي المستدام.