جاري التحميل
م
مروة الشريف 17 أكتوبر 2026 الجميع
استشاري علاقات عامة وإعلام

سلطت الواقعة الأخيرة لمغادرة المتحدثة باسم البيت الأبيض، كيتي زكريا، منصبها بعد خمسة أيام فقط من توليها المهام، الضوء على واحد من أكثر الجوانب حساسية في العمل المؤسسي والحكومي، وهو إدارة الظهور الإعلامي واختيار المتحدثين الرسميين. ولم تكن هذه الاستقالة السريعة مجرد تغيير روتيني في طاقم الإدارة، بل جاءت نتيجة مباشرة لتعثر في أول مؤتمر صحفي لها، إلى جانب تفجر تساؤلات حادة حول دقة مؤهلاتها المهنية والقانونية بعد تقديم نفسها كمحامية دون اجتياز اختبار نقابة المحامين. تطرح هذه الأزمة دروساً بالغة الأهمية لخبراء العلاقات العامة ومسؤولي الاتصال المؤسسي في الشركات والجهات الحكومية على حد سواء؛ إذ يُعد منصب المتحدث الرسمي الواجهة الأولى للمؤسسة، وأي ارتباك أو خطأ صادر عنه لا ينعكس على شخصه فحسب، بل يهدد مصداقية الكيان بأكمله ويهز ثقة الجمهور والمستثمرين ووسائل الإعلام. أول هذه الدروس يتمثل في أهمية الفصل بين الولاء أو النشاط الإعلامي العام وبين الكفاءة في إدارة المؤتمرات الصحفية تحت الضغط. فالظهور كمعلق سياسي أو صانع محتوى يختلف جذرياً عن الوقوف على منصة رسمية تمثل دولة أو مؤسسة كبرى، حيث لا مجال للارتجال غير المحسوب، وتتحول كل كلمة إلى تصريح رسمي ملزم. ويتطلب ذلك إعداداً شاقاً وتدريباً مكثفاً على إدارة المواقف العدائية والتعامل مع الأسئلة غير المتوقعة بمرونة وثبات انفعالي. الدرس الثاني يتعلق بالتحقق والتدقيق الصارم في السيرة الذاتية والمؤهلات المهنية (Background Checks) قبل الإعلان عن التعيين. ففي عصر الرقمنة والوصول الفوري للمعلومات، بات من المستحيل تمرير أي ادعاء غير دقيق بشأن المؤهلات أو التراخيص الرسمية دون أن يكشفه الصحفيون أو المنافسون في غضون ساعات. وتقديم متحدث رسمي لنفسه بصفة مهنية لا يحمل رخصتها ينسف الثقة في المنظومة التي اختارته من الأساس، ويضع المؤسسة في موقف دفاعي مستمر. كما تبرز الواقعة أهمية الجاهزية لإدارة الأزمات وسرعة اتخاذ القرار. فعندما تدرك إدارة العلاقات العامة أن واجهتها الإعلامية باتت هي نفسها صلب الأزمة بدلاً من أن تكون أداة لحلها، يصبح فك الارتباط السريع وتقليل الخسائر هو الخيار الأقل ضرراً على السمعة طويلة الأجل. وفي بيئة الأعمال والأسواق التنافسية اليوم، تحتاج الشركات والمؤسسات العربية إلى الاستعانة باستشاريي علاقات عامة وإعلام متمرسين لوضع سياسات اتصال واضحة، وتدريب المتحدثين التنفيذيين على مهارات المقابلات والمؤتمرات، وتأسيس بروتوكولات صارمة لتدقيق الرسائل والمؤهلات قبل أي ظهور علني، تفادياً للأزمات التي قد تعصف بالسمعة المؤسسية بين عشية وضحاها.

0 تعليق
تعليق